<<  مارس 2024  >>
 ا  ث  ا  خ  ج  س  أ 
      1  2  3
  4  5  6  7  8  910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
الاقتصاد الجربي

عرفت جربة تطورا ذاع صيته لقرون من تاريخها. ورغم صعوبة طبيعتها و مناخها فان سكانها تمكنوا من التأقلم مع محيطهم لاستغلاله و تحقيق حاجياتهم. تنوع الأنشطة الاقتصادية بالجزيرة يلفت الانتباه و يؤكد ثراء الاقتصاد الجربي.

تنوع الأنشطة الاقتصادية بالجزيرة يلفت الانتباه و الفلاحة تمثل إحدى أقدمها. و قد طور الفلاح الجربي ما توارثه من تقنيات و من أدوات و أساليب خاصة و متنوعة بتنوع المنتجات.
عند أهل الجزيرة, يقصد بــ"المنزل" ضيعة فلاحيّة مرويّة شاسعة ،مغروسة نخيلا وزيتونا وأشجارا مثمرة ومزروعة بقولا وخضرا. يتوسّطها مسكن أو أكثر و تتوفّر فيها  مقوّمات العيش الضّروريّة. وتحيط بهذه الضّيعة "طابيه" هي عبارة عن حاجز ترابيّ مدكوك يعلوه التّين الشّوكيّ أو الصّبار أو الاثنان معا. يعيش سكّان كلّ "منزل" معتمدين على أنفسهم ومكتفين بما توفّره أنشطتهم الفلاحيّة والحرفيّة من حاجيات. من أهم المنتجات الفلاحية نذكر:

النّخيل
تعدّ النّخلة في جربة ملكة الشّجر، إذ أنّها تغطّي الجزء الأكبر من فضاء الجزيرة بشكل لا يمكن معه أن نتخيّل منظرا جربيّا دون "عشّ نخيل" ذي ارتفاع يتراوح بين العشرة أو العشرين مترا. ويتوزّع النّخيل بشكل غير منتظم نسبيّا: فنجده بمركز الجزيرة مصحوبا بأشجارأخرى، بينما يغطّي السّاحل شريط متفاوت الاتّساع. بعض هذا النّخيل يغرس ويسقى بينما ينبت البعض الآخر تلقائيّا مشكّلا ما يسميّه أهل الجزيرة "نبّوت". أنواع التمور عديدة وأهمّها: ال"عڤّيوه" وال"متاته" وال"عمّاري" وال"جمّوري" وال"ڤابسي" و  ال"لمسي" الذي يعتبره البعض أجود أنواع تمور جربة.
بالتوازي مع استغلال التمور يستغل الفلاح عصارة النخلة .وعمليّة استخراج "اللاّڤمي" دقيقة إذ تقوم على تجريد النّخلة من كلّ جريدها ثمّ حفر حوض دائريّ حول برعمها النهائيّ وتعليق جرّة صغيرة في محيط ﺫلك الحوض. وإثر هذه التحضيرات الأوّليّة يتجنّد الفلاّح للقيام بمتابعات أخرى يوميّة قوامها الصّعود إلى قمّة النّخلة لتخليص برعمها النّهائيّ من الرّغوة العالقة به قبل أن يقوم بجذ مها وغسل الحوض. وعند ﺫلك يبدأ سائل في الانسياب رويدا رويدا سرعان ما ينتهي إلى الجرّة الصّغيرة بواسطة قصبة متّصلة بالحوض.



الزّياتين
تحظى جربة منذ أقدم العصور - بفضل مناخها - بمكانة هامّة في مجال إنتاج زيت الزّيتون حيث تعدّ من بين مراكز الإنتاج النّادرة بالمتوسّط. ويعتبر جنوب الجزيرة ووسطها وغربها أكثر المناطق إنتاجا للزّيت. ورغم قدمها فإنّ زياتين الجزيرة تنتج ما يغطّي الاستهلاك المحليّ وهي تنقسم إلى نوعين "الشّملالي" ويتميّز بأوراقه الرّقيقة الخضراء و"الزّلماطي" الذي يتميّز بأوراقه العريضة ﺫﺍت اللّون الأخضر الفاتح.
بحلول شهر نوفمبر وما إن تسودّ الثّمار حتّى ينطلق موسم جني الزّيتون الذي تتكفّل النّساء بمعظم أعماله. إثر بسط المفارش تحت الزّياتين تتسلّق بعض النّسوة الأشجار أو يستعنّ بسلالم مزدوجة "صرّافه" لإدراك الأغصان المرتفعة، بينما تتعهّد الأخريات بتنقية الزّيتون من الأوراق والشّوائب. أمّا الأطفال فيجمعون ما تناثر من حبّات بعيدا عن المفارش. و في الختام يقوم الرّجال بنقل الزّيتون إلى المعاصر بواسطة "زنابيل" (م."زنبيل") محمّلة على ظهور الدّواب.
يهدف تشذيب الزّيتون إلى إيصال الضّوء والهواء إلى مختلف أجزاء الشّجرة وإعطائها شكلا منتظما يسهّل جني ثمارها. يستغّل جزء من الخشب ﺍﻟﺫي يتمّ الحصول عليه بعد كلّ عمليّة تشذيب لصنع أواني المطبخ و الأدوات الفلاحيّة بينما يدّخر الباقي ليستعمل إمّا خاما كحطب للوقود أو يحوّل إلى فحم.
و يجرش الزّيتون بواسطة رحى تسمّى "عڤيڤه"، تدور حول محورها الأفقيّ فتسلّط ضغطا يؤمّن في نفس الوقت جرش الزّيتون وعجنه. شُدّت هذه الرّحى إلى إطار خشبيّ موصول إلى دّابة (جمل أو بغل) تدور بلا كلل معصّبة العينين لتفادي الشّعور بالدّوار بسبب تكرارها لنفس الحركة. في نهاية المطاف تترسّب العجينة المجروشة تدريجيّا داخل المجرى الصّغير ﺍﻟﺫي يحيط بمصطبة الجرش ثمّ توضع في "الشوامي".



زراعة الحبوب
تختلف المساحات المزروعة كثيرا من سنة إلى أخرى نظرا لتفاوت التّساقطات الشّديد. وعموما يزرع الشّعير والقمح الصّلب والعدس بعد أمطار الخريف. وعند نهاية الرّبيع تزرع الأرض البور قصبا يروى بالماء المالح. غير أنّ الإنتاج يبقى غير كاف - حتّى خلال السّنوات الممطرة التي يكون فيها المحصول جيّدا- لا يفي بحاجة السّكان إلاّ لعدّة أشهر، ممّا يدعوهم إلى استيراد كميّات كبيرة من الحبوب. يتمّ الحصاد عادة باستعمال منجل بيد أنّه يُكتفى بقطع المحاصيل باليد خلال السّنوات العجاف. يحصد العدس في شهر مارس أمّا الشّعير والقمح الصّلب فخلال شهر ماي في حين يُحصَد القصب في أواخر شهر أوت وبداية سبتمبر. ويتمّ درس الحبوب في بيدر "رايح" باستعمال نورج "جاروشه" يجرّه حيوان.

بساتين الجزيرة
إلى جانب النّخيل والزّياتين, تضمّ هذه المساحات جميع أنواع الأشجار المثمرة من تفّاح وخوخ ولوز وتين وإجّاص ومشمش وبرتقال وعنب وليمون ورمّان. و قد مكّن وجود الماء العذب في هذه المنطقة من تطوير زراعة الخضر والأشجار المثمرة على نحو متدرّج، ففي ظلّ الأشجار تزرع أنواع مختلفة من الخضر.أشجار أخرى مثمرة اخرى تسقى بمياه مالحة أهمّها الرّمان الذي تجنى ثماره منذ شهر سبتمبر. اهم الاشجار المثمرة بالجزيرة هي:

الكروم
توجد الكروم تقريبا في كلّ مكان وخاصّة في وسط الجزيرة وجنوبها الشّرقيّ وشمالها الشّرقيّ. ويعتبر عنب "التّونسي" من أعرق الأصناف المتوفّرة بالجزيرة وهو عنب أبيض ذو حبّات صغيرة لذيذة وشديدة الحلاوة. تنتج كروم الجزيرة كميّة كبيرة من العنب الذي يستهلك إمّا طازجا أو زبيبا. وعلاوة على ذلك يصنع منه يهود الجزيرة، خمرا محليّة مخصّصة لاستهلاكهم الذاتّي.

أشجار التّين
تتوزّع أشجار التّين على كامل الجزيرة تقريبا و خاصّة بوسطها وجنوبها الغربيّ. و تنقسم إلى نوعين، يعطي النّوع الأوّل بداية من شهر جويلية غلّة واحدة ذات ثمار صغيرة خضراء اللّون تشوبها صفرة أو بنفسجيّة. أمّا النّوع الثّاني فيعطي غلّتين متعاقبتين، أوّلاهما في أواخر شهر ماي ثمارها كبيرة الحجم ولذيذة تسمّى "بيثر" وثانيتهما في شهر أوت. يستهلك التّين إمّا طازجا أو مجفّفا ومخزّنا في شكل "شريح".

أشجار التفّاح
تكثر أنواع التّفاح المحليّة خاصّة في منطقة المياه العذبة. وهي تعطي بداية من شهر ماي ثمارًا صغيرة طحينيّة ذات رائحة جدّ ذكيّة، ومن ميزاتها كذلك أنّها تلقى إقبالا كبيرا لدى المستهلكين. لقد ذاع صيت تفّاح جربة في الماضي إلى درجة تخصيص مرسى بالشّمال الشّرقيّ للجزيرة لتصدير الثّمار يسمّى "مرسى التفّاح".
فضلا عن الفلاحة البرية، يمثل الصّيد البحري نشاطا هاما في حياة الجربيين، وذلك لما يوفره لهم بحرهم المحيط بالجزيرة من أنواع سمكيّة ورخويّات وقشريّات وأصداف وإسفنج، ممّا جعلهم يغنمون أرباحا كبيرة من هذه الثروة الطبيعية التي أتقنوا استغلالها بطرق صيد تتلاءم و محيطهم الطبيعي. استعملت جربة، في ملاحتها البحريّة، القوارب الصّغيرة "لود" للمسافات القصيرة، والمراكب الأكبر "شڤف" للمسافات الطّويلة، وقد كانت هذه المراكب الشّراعيّة تربط مواني جربة بباقي مواني السواحل التّونسية وبعض المواني المتوسطيّة، فتبحر محمّلة بالخزف والزّيت والنّسيج والإسفنج والغلال والسّمك المجفّف وتعود بالحبوب والصّوف وتختلف حمولتها بحسب الجهات المقصودة. ولم يبق من هذه الملاحة في الوقت الحاضر إلاّ الملاحة السّاحليّة التي تربط الجزيرة باليابسة عبر مضيق آجيم.


يباع السّمك بأنواعه المختلفة بالمزايدة في سوق الأسماك ب حومة السّوڨ. إذ يسلّم الصّيّاد سمكه إلى "الشكّاك" الذي يقوم بخرزها في أعواد عراجين النّخل في شكل مجموعات تسمّى الواحدة منها "شكّ" ثمّ يسلّمها إلى أحد المنادين العموميّين "دلاّل" الجالس على كرسي غالبا ما يكون مرتفعا  للبيع بالمزايدة. و من خصوصيات أدوات و طرق الصّيد البحري الجربي نذكر:

مصيدة ثابتة "زريبه"
تتمثل طريقة الصّيد هذه في نصب جدران ممتدّة داخل البحر من جريد النّخل بارتفاع مترين تقريبا.والمصيدة الثابتة هي عبارة عن زاوية ضخمة يقسمها منصّف يسمىّ "جدارالمحاصرة" و يحتوي كّل ركن منها على جدارين يحدّان رواقا يزداد ضيقا في اتّجاه حجرات الصّيد. يوجه "جدارالمحاصرة" الأسماك التي يجلبها التيار نحو الرّواقين، ومنهما إلى حجرات الصيد المجهزة بمجموعة من الفخاخ في شكل "دراين" (مفرد "درينه") تلجها الأسماك ولا تخرج منها، ليأتي الصّياّد من الغد، ويخرج"الدرينه" بأسماكها تاركا مكانها أخرى إعدادا لصّيد القادم.

الصّيد بالقفز و"الدمّاسه"
تتطلّب هذه الطّريقة من الصّيد تنظيما خاصّا وتستوجب توفيرمجموعة من القوارب والبحّارة. حيثما يتم اكتشاف سرب أسماك "البوري" يقوم البحّارة بتطويقه فيحيطون به دائرة كبيرة متكوّنة من شبكتين: شبكة عموديّة تسمّى "المبطّن" تحفّز الأسماك على القفز، تعامدها أخرى أفقيّة طافية تسمّى "دمّاسه" يقع فيها السّمك القافز.
الصّيد بـ"الطرّاحة"
يضع الصّيّاد رصاص "الطرّاحه" على معصمه الأيمن و يلفّ بقية الشبكة حول ذراعه اليسرى، حتى إذا لمح سربا من أسماك "البوري" أو "الڤاروص") ألقى بالرصاص أبعد ما أمكنه بحركة فنية تنفتح لها الشبكة وتقع على الأسماك، وعندها ثم يجذبها ببطء حتّى لا يضيع له من صيده شيء.

صيد الأخطبوط
يلقي الصّيّاد في قصير البحر بعشرات الأوعية الفخارية المثقوبة و المخروزة في حبل طويل. وبعد أيام يأتي الصّيّاد ليسحبها واستخراج ما علق بها من أخطبوط كان مختبئا فيها بواسطة مخطف معقوف.

صيد "االوزفّ"
يتطلّب هذا الصّيد دراية واسعة بالبحر فضلا عن استعمال شبكة. يقبع الصّيّادون أيّاما تحت خصّ على الشّاطئ يتأمّلون عرض البحر، حتى إذا لاحت لهم تلك البقعة الكبيرة السوداء المكونة من سمك "الوزفّ" ذو الأحجام لصغيرة، سبحوا نحوها وأحاطوا بها كالهلال وحرّكوا ما بأيديهم من جريد النّخل لدفعها نحو الشاطئ حيث يتمّ جمع  السّمك داخل شبكة خاصة بهذا الصيد تسمّى"كيس".

صيد الإسفنج
يستطيع صيّادو الاسفنج بلوغ عمق العشرين مترا دون أيّة تجهيزات خاصّة ويستعملون قاربا تزدان مقدمته بمكان مجوّف يمكث فيه قائد فريق الصّيد "الرّايس" لرصد الإسفنج في قاع البحر باستعمال  مرآة مخصصة لهذا الغرض تسمّى "مراية" يضعها على سطح الماء. ويجهّز القارب ﻛﺫلك على جانبييه بخطاطيف مختلفة الأشكال. ما إن يكتشف قائد فريق الصّيد "الرّايس" الإسفنج  في قاع البحر حتّى يغوص نحوه بحّار "بحري" رابطا في حزامه كيسا فيه حجرا ثقيلا كي يسرع بالغوص . وببلوغه القاع يبدأ في اِلتقاط الإسفنج ووضعه داخل الكيس ثمّ يلقي بالحجر ويصعد بصيده إلى سطح الماء. علما وأنه بداية من شهر أكتوبر، لا يلتقط الإسفنج إلاّ بالخطاطيف لشدّة برودة الماء على الغطّاس. منذ القديم، اشتهرت آجيم الواقعة بجنوب الجزيرة الغربيّ بصّيد الإسفنج وكان أغلب سكّانها من الصّيّادين.
هذه الحرفة العريقة بالجزيرة و الضاربة في القدم تعتمد تقنيات ثرية و مختلفة و أساليب خاصة في الإنتاج:

استخراج الطّين
من فوهة نفق ضيّق عميق، وعبر مدرج تكاد ملامحه لا تظهر، ينزل العمّال بسرعة حتى مستوى طبقة الطّين، فيشعلون مصابيحهم، ويشرعون في العمل منحنين بسبب ضيق المكان. حتى إذا أتمّ أحدهم ملء قفّته طينا، حملها عامل ثان فوق ظهره، وصعد بها إلى سطح الأرض. علما وأنّه في الماضي كان الطّين ينقل إلى المشغل على ظهور الجمال في زنابيل كبيرة من الحلفاء.

دقّ الطّين
بعد نقله من المقطع، يوضع الطّين في ساحة المشغل ثمّ يطرح في الفضاء المخصّص للتّجفيف الـ "طرحه" ويترك أيّاما ليجفّ، ثمّ ينقّى من شوائبه، ويدقّ للحصول على حبيبات رقيقة جدّا حتّى يسهل فيما بعد نقعها في الماء - يغربلها الفخّاريّ بكلّ عناية لإزالة الشّوائب العالقة بها.

تذويب الطّين
بعد دقّه، يوضع الطّين في حوض مبنيّ، يملأ بماء البحر للحصول على فخّار ناصع البياض غير مطليّ، أو بماء عذب للحصول على فخّار يميل لونه إلى الحمرة.

عجن الطّين
بعد إخراجه من الحوض، يدعس عجين الطّين بالأقدام في السّاحة حتّى يتماسك ثمّ ينقل إلى المشغل في شكل كتل تسمّى الواحدة منها"عجنه". تترك تلك الكتل  أسبوعا في المشغل حتّى تتخمّر، ثمّ تجزّأ بسكّين خاصّ من الحديد يسمّى "مسمار" إلى قطع صغيرة. وإثر ذلك يضع الفخّاريّ واحدة من قطع الطّين في مكان مخصوص في المشغل ويرشّها بشيء من الماء ثمّ يدعسها بقدميه حتّى تصبح لزجة وعندها توضع في "الڤلڤال" إلى حين صنعها. آخر مراحل عجن الطّين.  قبل قولبته،  يعجن الطّين مرّة أخيرة فوق مصطبة  تسمّى"مدلك".

خراطة الطّين
يمسك الحرفيّ بكلتا يديه قطعة الطّين الموضوعة فوق العجلة العليا، ويدير الدّولاب بقدمه ثمّ يشرع في قولبة قطعة الطّين بالضغط عليها بين راحتيه وأصابعه التي لا ينفكّ يغمسها في ماءٍ صُبّ في إناء صغير و
يعالج الحرفيّ الطّين بيديه المبلّلتين ليعطي للقطعة شكلها المطلوب. وبانتهاء الخراطة يفصل الفخّاريّ القطعة عن عجلة الدّولاب العليا بواسطة خيط رقيق ويضعها قبالته على الدّكّة. وقبل إضافة العنق و العرى أو غيرهما من العناصر، توضع القطع المصنوعة - حسب الفصول - في السّاحة أو في المكان المناسب داخل المشغل لكي تجفّ.
على عكس القطع الصّغيرة الحجم فإنّ قطع الفخّار الكبيرة الحجم لا تصنع دفعة واحدة وتتطلّب أكثر من كتلة طين ، حتىّ لا تنهار تحت ضغط ثقلها، بل تشكّل على مراحل متتابعة، بأن يضاف لها الطّين في كلّ مرحلة وتجفّف للتّوّ. بيد أنّه من الممكن للحرفيّ أن يشكّل بعض الفخّار الكبير من نوع الـ"زير" أو الـ"محبس" أو الـ "معجنه" كرّة واحدة. توضع القطع المصنوعة في فضاء التّجفيف متباعدة عن بعضها البعض، ويضع لها الحرفيّ العرى الّتي يكون قد هيّأها على الدّولاب مسبقا.

برنقة الفخّار
تستعمل لبرنقة الفخّار مادتان تستخرجان من أوكسيد الرّصاص ألا وهما : البرنيقان الأخضر و الأصفر. ينتج خزّافو ڤلاله،"الصّڤّاله"، البرنيق بأنفسهم داخل مشاغلهم وكانوا يتحصّلون على البرانيق الأخضر بإضافة النّحاس، و الأصفر بإضافة الكحل. أمّا الرّسوم البنّية الدّاكنة فكان مصدرها المنغنيز. ينقع الخزّاف القطع في حوض البرانيق، وتبقى لتجفّ خلال بعض السّاعات، ثم تحرق داخل الفرن فيما بعد أصبحت تقنية البرنقة ، التي اشتهرت بها جربة قديما، مجهولة عند أغلب الحرفيّين اليوم.

طهي و ترصيف الفخّار داخل الفرن
تتمثّل آخر مراحل صنع الفخّار في طهي القطع بعد تجفيفها وهي المرحلة الأكثر أهميّة لما تمنحه للقطع من صلابة ومن شكل نهائيّ وذلك بالحرص على درجات حرارة جدّ مرتفعة. قبل ذلك بساعات طويلة يُحمى الفرن تدريجيّا وذلك باستعمال حطب الزّيتون في البداية ثمّ بأغصان الزّيتون والجريد ولا ينفكّ الفخّاريّ يسعّر النّار إلى أن يصبح الفخّار ناصع البياض. رغم اختلاف قواعد حرق الفخّار بحسب نوعه، هناك قواعد ثابتة تراعى في كلّ الحالات ألا وهي حماية القطع من التّحطّم أو التّشقّق، وانتظام الحرارة داخل الفرن، واستغلال أقصى ما يمكن من مساحته.
عند ترصيف الفخّار داخل الفرن يقوم الفخّاريّ عادة بوضع كسرات فخّاريّة صغيرة تسند القطع المصفوفة داخل الفرن لفصلها عن بعضها منعا لالتحامها أثناء الحرق. كما يسدّ بكلّ عناية جميع الفتحات ويغطّي المدخنات منعا للريح أو المطر ثمّ يُحمى الفرن لإتمام طهي القطع.هذه الطرق و الأساليب تعطي منتجات متنوعة الأنواع و الأشكال كبيرة و صغيرة الأحجام, شوا ط أو مبرنقة, وكلها أدوات تصلح للحياة اليومية و تصنع في مشغل الفخار.

تاريخ النسيج بجربة لا يمكن الجزم بتفاصيله بدقة و لكن المعطيات و المراجع التاريخية المتوفرة لدينا حتى اليوم تجزم بتواجده منذ العصور القديمة و بتخصصه في الصوف فقط. أما بالنسبة للفترة الإسلامية و القرون الوسطى فالمراجع تصف هذه الحقبة على أنها أوج الاقتصاد الحرفي بالجزيرة التي أصبحت نقطة تلاقي للقوافل القادمة من داخل القارة الإفريقية لانتقاء المنسوجات الصوفية الجربية ذات القيمة و الصيت.

تمثّل الأغطيّة الصّوفيّة الجربيّة ذات الخطوط المتعدّدة الألوان  من نوع الــ"فرّاشيه" ركيزة أساسيّة في صناعة النّسيج التّقليديّة. وتمتاز عن "فرّاشيّات" المناطق الأخرى بصباغتها المتقنة وزينتها القائمة على الخطوط وتعدّد ألوانها. إضافة إلى الأغطية ينسج الحرفيّون اللّحاف وملابس الرّجال الشّتويّة. ويفضّل الجربيّون الصّوف النّاعم ذا الخصلات الطّويلة للحصول على ملابس ليّنة، قليلة التلبّد. فالأقمشة الجربية هي بالأساس صوفية ولكن قد نجد أحيانا استعمالات للحرير أو القطن للزركشة و الزينة أو وبر الجمال لصناعة خيوط الشبكة أوالسّدى أو الجداد. و هكذا مثّلت الجزيرة حتّى النّصف الأوّل من القرن العشرين أحد أهمّ مراكز صناعة النّسيج اليدويّ  بشمال إفريقيا بل وبوسطها الغربيّ.


التقنيات  المعتمدة من قبل النساجة  الجربيين بقيت على مدى قرون دون أن تتغير مثبتته تأقلمها مع العصر و تشبث الجربي بتراثه و عاداته كما أن طرق الإنتاج نفسها لم تشهد سوى تغيرات طفيفة و بقيت على مستوى تقني بدائي و لكنه متفنن وذكي. فمختلف قطع النول مثلا مصنعة بطريقة حرفية حتى التفاصيل و كل قطعة لها اسمها الخاص و لها غايتها و ليست اعتباطا. و يحتاج الصوف للانتقال من صفته الخام إلى منتج نهائي إلى المرور بمراحل عدة:
غسل الصّوف
المرحلة الأولى هي غسل الصوف فقبل أي عملية تحويل يجب تنقية الصوف من الأتربة والأوساخ ومختلف القذرات التي قد تتشبث به. و يغسل الصوف في البحر في مختلف أنحاء الجزيرة وقد كانت النسوة تغسل الصوف جماعات.  بوصولهنّ إلى الشّاطئ، تترك النّسوة الصّوف الملوّث ببقايا الرّوث جانبا ثمّ ينقعن بقيّة الصّوف على حافة البحر باستعمال "ڤرباشه" موضوعة فوق صخرة. وبعد مضيّ برهة من الزّمن يشرعن في غسله داخل البحر، ثم يقمن بدقّه بأصل جريدة نخل "كرنافه"، وينقعنه من جديد إلى أن يتمّ غسله، فيضعنه على رمال البحر ليتقاطر ماؤه قبل تجفيفه النّهائيّ.

تجبيس الصّوف
هذا الغسل الأولي بماء البحر البارد والمالح هو غير كاف فهو لا يزيل إلا الأتربة وبعض المواد المعدنية فالمواد العضوية والدهون لا تتحلل بالماء البارد وتبقى عالقة بالصوف والجلود الصوفية. كما أن ماء البحر يملح الصوف ويجعله أكثر امتصاصا وتخزينا للماء. لذلك وجد الجربيون طريقة لنزع هذه القاذورات الباقية دون استعمال الماء الساخن أو الصابون ولا حتى إضافة مواد كيميائية وهي مواد قليلة التواجد وباهظة الثمن. فالغسالات تعمدن إلى تجبيس الصوف وهي طريقة اقتصادية وذكية تتوافق مع الحاجة ومع معطيات الجزيرة التي تفتقد إلى الماء العذب. التجبيس يزيل كل القذرات والدهون ولا يحتاج إلا إلى كمية جد ضئيلة من الماء. الجبس الجربي له مواصفات خاصة ويقع استخراجه من مقاطع تحت الأرض بمنطقة مليتة بمكان يسمى "الزباسة". تذيب النّسوة الجبس برفق داخل وعاء من الفخّار "محبس" مع إضافة الماء ثم ينقعن فيه الصّوف خصلة خصلة. ومن الغد، وبعد جفافه كلّيا، تُنفض الخصلات وتفرك بالأيدي لإزالة الجبس ليصير بعدها الصّوف جاهزا للتّبخير.

تبخير الصّوف
تبلّل النّسوة الصّوف بالماء العذب قبل تبخيره لأنّ الحامض الكبريتيّ لا يمكن أن يتفاعل بشكل جيّد إلاّ مع الماء، ثمّ ينظّمنه على قفص من أعواد الجريد "ڤفص تبخير" في شكل خصلات طويلة نسبيّا. وحالما يغطّى أعلى القفص وجوانبه كليّا، تضع المرأة تحته صحنا من الفخار يحوي بعضا من "البخارة" المشعلة بجمرة أو موقدا فخّاريّا يشتعل فحما لحرق الكبريت وحتّى لا يتلاشى الغاز الكبريتيّ يغطّى القفص والصّوف بقطعة قماش مبلّلة. وأخيرا تترك النّسوة الكبريت ليتفاعل خلال عدّة ساعات ولا يكشفن القفص إلاّ عند بدء عمليّة الغزل. عملية التبخير دقيقة ومهمة فالخطأ في تقدير الكمية المناسبة من البخارة قد يؤدي إلى تصفير الصوف وجعله غير قابل للاستعمال كما انه يجب العمل على إبعاد القفص عن مجاري الهواء والريح. التبخير و التجبيس يرميان إلى الحصول على صوف ناصع البياض. قبل الغزل هناك عمليات إعداد الصوف ليكون صالحا لغزل "الجداد" أو "الطعمة" و كل منها لها طرق و أدوات معينة وخاصة.

مشط خيوط الشبكة أوالسّدى
بالنسبة لخيوط الشبكة أو "الجداد" فالغازلات المختصة بهذا النوع من الغزل تبدأ بتمشيط الصوف للفصل بين الألياف الطويلة و الألياف القصيرة. لتمشيط الجداد يستعمل مشطان. تمسك الغازلة بيدها اليسرى مشطا "مشط" أسنانه موجّهة إلى أعلى، وباليمنى خصلة من الصّوف. ثمّ تقوم بتثبيتها بالمنافذ المتتالية لأسنان المشط جاذبة في كلّ مرّة خصلة. وحالما يغطّى المشط الأول بالصوف تقوم بمشطه بواسطة مشط ثان أسنانه موجّهة إلى الأسفل تمسكه بيدها اليمنى. وبعد التّمشيط,  تنزع الغازلة الصّوف، بوضع المشط أمامها على الأرض ومسكه برجليها. عند نهاية هذه العمليّة تنفصل خصلة الصّوف الممشوطة "ڤلم"  تلقائيّا عن بقيّة الصّوف الّذي لا يزال عالقا بالمشط.

ندف خيوط اللحمة
بالنسبة لخيوط اللحمة أو "الطعمة" فطريقة الإعداد تختلف و عوض التمشيط يقع ندف او تمشيق أو "تقرديش" الصوف غاية الحصول على طبقات متساوية السمك و الكثافة و ذلك باستعمال مندف "ڤرداش" أو "ڤرشال". و يستعمل في كل مرة "قرداشا" في كل يد و بوسطها توضع كمية الصوف حسب المنتج الموجهة له الطعمة. و باعتماد الاحتكاك بين الاثنين خمس أو ستّ مرّات في نفس الإتّجاه دون أن تتشابك أسنانهما, يقع تكسير ألياف الصوف وتقسيمها إلى قسمين يسمى كل منها "منديل" كل واحد بمندف. حينها تنزع الغازلة المنديل من "القرداش" و تلويه في شكل اسطوانة بقطر 2 أو 3 صم تسمى أيضا "قلوم" أو "فليلة".

غزل خيوط السّدى و اللُّحمة
من مكوّنات المنزل الجربيّ أحيانا "خصّ الڤعاد" حيث تجتمع النّسوة لغزل الصّوف حول حفرة "الدّبّونه" وهنّ يتحدّثن أو يغنّين. بعد تمشيط خيوط السّدى يحاط "القلوم" حول أداة تسمى "لڤّاطه" ثم يوصل بمغزل خيوط السّدى الــ"مغيزله" مرورا بمعقّفه .و تقوم الغازلة بعملها بلوي القلوم بيديها و إدارة المغزل في اتجاه عقارب الساعة دائما و ذلك لتسهيل عملية النسيج الموالية.

غزل اللُّحمة يبدأ بعد هذا الإعداد الأولي وهو لا يختلف كثيرا عن غزل "الجداد" . فقط مغزل الطعمة أطول وأثقل وتغزل المرأة الطعمة وهي جالسة أرضا مقدّمة ركبتها اليمنى مثنيّة. وعلى ربلة ساقها تدير محور مغزلها المرتكز على شقفة من الفخّار. وهكذا تكون "فانات" الطعمة حاضرة للبيع و للاستعمال.

عند امتلاء المغزل بخيوط السّدى أو اللّحمة، تأخذ الغازلة جزءا من جريدة نخل مجرّدة من سعفها تسمّى"المحلّيه"" تحلّ عليها الخيوط الملفوفة حول المغزل. عندئذ ينتهي عمل النّسوة ليصبح الصّوف جاهزا للنّسج ويبدأ دور الرّجال.
الصّباغة

عادة ما يستعمل الصّوف طبيعيّا دون تغيير لونه الأصليّ الذّي يمكن أن يكون أبيض أو بنّيّا أو أسود. ومن الممكن أيضا أن يصبغ قبل نسجه وهي تقوم على نقع الصّوف داخل سائل من الصّبغة في قدور فائرة.ويتمّ تحضير الصّبغة اعتمادا على قشور الرّمان "ڤشور الرّمان" والفوّة "فوّه" والقنطريون "ارجاڤنو". و قد كانت الصّباغة بـجربة حكرا على اليهود.

التّسدية
قبل نسجها تُحلّ خيوط السّدى أو اللّحمة على مردن "مْكبّه" ثم تحوّل كببا صغيرة بواسطة دولاب للتّكبيب "ردّانه". أما التّسدية فتتمثّل في تجميع عدد معيّن من خيوط السّدى ولفّها حول مِطْوَى  المنسج أو النول على مرحلتين : حلّ الخيوط حول المسداة ثم  تثبيت الخيوط على المنسج.

سوق الصّوف
صناعة الصوف في جربة هي في اغلب الأحيان خاضعة لنظام عائلي محكم . تجار الصوف صنفان بعضهم يبيع الصوف الخام للنسوة أو يبيع الصوف المغزول من النسوة إلى النساجة وبعضهم يبيع المنتجات المنسوجة للعامة. يباع الصّوف عادة بالمزايدة داخل السّوق الأسبوعيّة بـحومة السّوڨ التي يرتادها النسّاجون للتّزوّد. يعرض الباعة كبب الصّوف الكبيرة لخيوط السّدى واللُحمة صائحين  بآخر ما بلغته بضاعتهم من أثمان. بعد البيع، يتقاسم كلّ بائع الرّبح مع الغازلات وفق نظام يعتمد  المحاصّة، فتحصل الغازلة على الثلثين بينما يحصل البائع على الثلث. علما أنّ كلمة "غازله" تشمل كلّ النّساء المشاركات في إعداد الصّوف.

الّنسج
عندما يكون النول معدا والنزق يحوي فارغته يأخذ النساج مكانه على "الزركون" قبالة خيوط الشبكة و يبدا بتمرير النزق بيديه بين تقاطعات الشبكة مع كل حركة للعفاسات بقدميه. بعد كل مرة يدك اللحمة باستعمال الدف شابكا هكذا خيوط الطعمة مع خيوط الجداد مما ينتج قطع الاقمشة المختلفة. ينسج الصّوف عادة داخل مشغل ذي طابع معماريّ خاصّ بـ جربة. يدوس النّسّاج على عتلة الدّوّاسة بطرف ساقه، فتنخفض الشّفرات المتقابلة، ممّا يحدث مستويين في خيوط السّدى يمرّر بينهما النّسّاج المكّوك "نزڨ" المشتمل على قطعة من القصب تحمل خيوط اللّحمة الّتي تنسج متقاطعة مع خيوط السّدى. إثر تمرير كلّ الخيوط، يدفع النّسّاج الخشبة الضّاغطة المتحرّكة إلى الأمام لدقّ نسيجه. قبل البدا بالنسيج الفعلي يعمد النساجون إلى إعداد النول للعمل وذلك بتفريغ الكباب و"التسدية" و"المناولة". تفريغ الكباب يكون باعتماد "المكبة" و "الردانة" وهي نفس الأدوات المستعملة من طرف غازلات "الطعمة" لتحضير الكبب و لكن النساجة يستعملونها لتفريغ هذه الكبب في اسطوانات اصغر تسمى "الفارغة" وتأخذ مكانها وسط "النزق" عند النسيج. أما "التسدية" فهي تستعمل أداة تسمى "الناعورة" و ترمي إلى إعداد خيوط الشبكة لمناولتها أي وضعها على النول استعدادا للنسيج الفعلي حيث توضع خيوط الشبكة و تشبك حول "المطوى" بطرق مختلفة حسب المنتج المزمع نسجه في كل مرة.

إضافة إلى الفلاحة و النسيج و الفخار, حرف أخرى تعد من ضمن مهن الجزيرة رغم أن أهميتها أقل. من ذلك حرفة النجارة التي توفر خاصة صناديق العروس و كذلك أبواب المعالم الهامة و التي تصنع من خشب النخيل أو الزيتون.
حرفة الحصير و ظفر سعف النخيل وفرت المفروشات المستعملة في المساجد و المساكن و كذلك القفاف و الزنابيل للأشغال الفلاحية و المظلات المكملة للباس الجربي.
صناعة المصوغ تمثل أيضا إحدى أهم الحرف الثانوية بجربة و قد كانت اختصاصا حكرا على الجالية اليهودية التي تتوارثها حسب التقاليد الجربية منذ قرون.

 
الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعاتصل بنا

Conçu et créé par Serviced © Musée Jerba © 2012