<<  فيفري 2024  >>
 ا  ث  ا  خ  ج  س  أ 
     1  2  3  4
  5  6  7  8  91011
12131415161718
19202122232425
26272829   
المجتمع الجربي

المجتمع الجربي هو خليط مركب بما انه يضم أعراقا و أديانا مختلفة تتعايش فيما بينها. و لكن رغم هذا التنوع نلحظ وحدة في المجتمع الجربي مما يعطيه انتماءا واضحا و قويا لنفس الجهة. و يبرز هذا التفرد على مستوى الطقوس و العادات من الممارسات اليومية البسيطة إلى تقاليد الزواج.

سكّان الجزيرة هم حصيلة تيّارات هجريّة متعاقبة وإلى نهاية القرن التاّسع عشر كانت الأغلبيّة السّاحقة من المجتمع الجربيّ تتألّف من البربر أو من البربر المتعرّبين و المنحدرين من قبائل بربريّة معروفة في المغرب الإسلاميّ خلال العصر الوسيط مثل هوارة ونفوسة وزناتة ولماية وزواغة وكتامة.
لم تعرّب الجزيرة بصورة تامّة إلاّ خلال القرن العشرين بعد أن شهدت موجات متتالية من هجرة الأعراب الوافدين من المجال القارّي القريب خلال القرون الأخيرة. فقد وجدت الدّولة الحسينيّة في هؤلاء الأعراب خير سند لبسط سلطتها على الجزيرة ومواجهة أطماع أتراك طرابلس ولذلك شجّعتهم على الاستقرار بها. يضاف إلى ذلك أنّه ومنذ أواخر القرن التّاسع عشر و خلال القرن العشرين تنامت موجة هجرة من داخل الجزيرة إلى وسط البلاد التّونسيّة و شمالها حيث احتكر الجربيّون تجارة التّفصيل، سرعان ما أعقبتها هجرة معاكسة من الأعراب الوافدين من الجنوب الشّرقيّ الّذين كانوا في بداية الأمر يقضون  أشهرا من السّنة بالجزيرة للقيام ببعض الأعمال الفلاحيّة الموسميّة ثمّ ما لبثوا أن استقرّوا بها بصورة نهائيّة. وبفضل هذه الموجات اكتسح كذلك المذهب "المالكيّ" شيئا فشيئا أرض الجزيرة وانتشر بين سكّانها مزاحما المذهب الإباضي. وتوجد بالجزيرة أقليّة يهوديّة، وأقليّة أخرى زنجيّة منحدرة من بقايا النّظام  العبوديّ  الّذي كان قائما على مدى قرون. وقد عرفت الجزيرة خلال القرن التّاسع عشر والنّصف الأوّل من القرن العشرين أقليّة أروبيّة كانت مكوّنة بالأساس من صقلّيّين ومالطيّين ويونانيّين ناهيك عن الفرنسيّين الّذين تكثّف حضورهم خاصّة إبّان عهد الحماية بين سنتي 1881 م و 1956م.
يتجاوز في الوقت الرّاهن سكّان الجزيرة ألمائتي ألف ساكن، في حين كان عددهم بعيد استقلال البلاد سنة 1956 في حدود ثلاثة وستّين ألف ويعزى هذا التّطوّر الدّيمغرافيّ السّريع بالأساس إلى النّموّ المطّرد الّذي عرفه القطاع السّياحيّ بالجزيرة منذ سنوات  الاستقلال الأولى.
العرس يمثل مؤسسة اجتماعية تعكس الحضارة و المجموعة التي تؤسسها فالطقوس و العادات المختلفة  تعطي فكرة حول تصور هذا المجتمع لعالمه. بجربة نلحظ تنوع هذه الطقوس بين عادات المسلمين و اليهود و اختلافها بين مناطق الجزيرة. يستعمل الجربيون عددا كبيرا من الأدوات الخاصة و المقدسة خلال حفلات الطقوس المختلفة. و لكن رغم الاختلافات , نتبين المراحل الأساسية الموحدة لدى مسلمي الجزيرة :

الحجبة
منذ تحديد موعد الزفاف يتوجب على العروس الاختفاء عن الأنظار لتستعد لليلة عرسها فهي تلازم المنزل لترتاح و تأكل و تحتمي من الحرارة و من أشعة الشمس الحارقة. الهدف من كل ذلك هو إظهار جمالها كامرأة في صحة جيدة ببشرة بيضاء ناصعة. مرحلة الانعزال هذه تنطلق اثر زيارة العروس مع شلة من صاحباتها و بنات العائلة لمسجد الحومة ا والى أقدم زياتين المنطقة حسب الجهات و ذلك للتبرك بها.

تنظيف "المنزل" وإعداد دقيق "الزّمّيطه"
قبل موعد الزّواج بمدّة قصيرة تبدأ الاستعدادات حثيثة بمنزلي العروس والعريس على حدّ السّواء. وتأخذ هذه الاستعدادات طابعا جماعيّا تتظافر فيها مجهودات مختلف عائلات "الحومه" من الجيران والأقارب في أجواء من المشاركة التلقائيّة والحماسيّة والالتزام التّضامنيّ. وعلى هذا النّحو تجتمع النّسوة قبيل موعد الزّواج بــ"منزل" العريس أو العروس فيقمن ببعض الأعمال التّحضيريّة الّتي لا يشارك فيها الرّجال. فينغمسن تارة في تنظيف محيط "الحوش" بواسطة عراجين تمر جافّة بعد رفع الأعشاب الطّفيليّة وطورا في إعداد مؤونة العرس المكوّنة بالأساس من دقيق "الزّمّيطه".

"البربوره"
إن لفظ "بربوره" ضمن الاستعمال المتداول بجزيرة جربة يشير إلى معنيين. يفيد المعنى الأوّل الزّيارة الطّقوسيّة لشجرة من أشجار الزّيتون الموجودة بمنزل العريس أو العروس والّتي تنتظم خلال احتفالات العرس التّقليدي في أوقات معلومة وبمراسم معيّنة. بينما يشير المعنى الثّاني إلى ذلك الموكب الّذي يتألّف بالأساس من صفّ مستقيم يتكوّن من بعض الشبّان أو النّساء أو الفتيات، في حدود الخمسة بما في ذلك العريس أو العروس، يقفون الواحد بجانب الآخر و يضعون فوق رؤوسهم لحاف "البسكري". ينسدل هذا اللّحاف في الآن نفسه على  ظهورهم.



خضاب الحنّاء
من المعلوم أنّ تخضيب بعض أطراف الجسد بالحنّاء خاصّ بالنّساء  فالصّبايا والفتيات لا يخضبنّ بعض أطراف أجسامهنّ بالحنّاء إلاّ في مناسبة وحيدة تتمثّل في احتفالهنّ بالشّروع في صيام شهر رمضان لأوّل مرّة  فالتّزيّن بخضاب الحنّاء يعدّ من الطّقوس الانتقاليّة إذ يشمل كذلك الأطفال بمناسبة ختانهم والشبّان عند زواجهم ويقتصر استعمال خضاب الحناء عند الذكور على إصبع من الأصابع وأحيانا جزء من الكف.و تتسلّم العروس في عموم مناطق الجزيرة من العريس في مناسبتين بعض الهدايا يتمّ إرسالها ضمن موكب أوّل يطلق عليه "الحنّة الصّغيره" وموكب ثان يطلق عليه "الحنّة الكبيره".

الوليمة
تجري خلال اليوم الثالث لدى العريس استعدادات أخرى حثيثة لإعداد الطّعام الّذي سيوزّع على المدعوّين، فمنذ الصّباح الباكر يشرع بعض أفراد العائلة في تركيز مكان للطّبخ غير بعيد عن"الحوش" وعندما يأتي الطباّخ يتجندون جميعا لمساعدته. وبعد غروب الشّمس يتمّ توزيع العشاء على الحاضرين الّذين جلسوا القرفصاء استعدادا لتناوله.

المحفلْ
يفيد تعبير "المحفلْ" إلى مكان الحفل الذي يقام ليلا بمناسبة الزّواج في الهواء الطّلق وكذلك العرض الموسيقيّ الذي تحييه وتنشّطه غالبا مجموعة "الطبّالة" بلباس عناصرها المتميّز. أحيانا, تضمّ مجموعة "الطّبّاله" الفلكلوريّة عناصر أخرى غير العازفين يتعاطون أثناء الحفل اللّيليّ  رقصة "الزّڨاره" الجماعيّة بأزيائهم التّقليديّة المميّزة والمشابهة لأزياء بقيّة عناصر مجموعة العازفين ، فيكوّنون حلقة و يمسك كلّ واحد منهم بعصا غليظة يضرب بها مرّة عصا من يأتي بعده ومرّة أخرى يتلقّى بها ضرب من كان قبله وهكذا دواليك. و يتواصل السّهر إلى ساعات متأخّرة من اللّيل في أجواء ممتعة لا تخلو من مظاهر الدّعابة والمرح.

"الجحفه" و "الجلوه"
تطلق تّسمية " الجحفه" المحليّة على موكب انتقال العروس من منزل أهلها إلى منزل عريسها في هودج محمول فوق ظهر جمل مصحوبة بحشد من الأقارب والضّيوف، ويتصدّر الموكب وحولها الرّجال والأطفال ثمّ الهودج وخلفه النّسوة والفتيات. يتم هذا الموكب لدى "الوهبيه" في وقت متأخّر من اللّيلة الفاصلة بين اليومين الثّالث والرّابع في حين يتمّ لدى" مستاوه" خلال اليوم الثّالث نهارا وتحديدا قبيل غروب الشّمس. أما "الجلوه" فهي الاحتفال الذي تعرض خلاله العروس في أبهى حلّة أمام النّساء المدعوات قبل الدخول إلى غرفة الزوجية مع غروب الشمس.

غرفة الزّوجيّة و تسمى "دار" تمثّل وحدة سكنيّة لكلّ زوجين ينتميان لعائلة أبويّة موسّعة. وهي قاعة متعدّدة الاستعمالات مكوّنة من فضاءات مختلفة الوظائف لذلك فإنّ كلّ غرفة تمثّل بيتا مستقلاّ. وتتميّز الغرفة بتقسيم عملي يتمثّل في اشتمالها على أربعة  فضاءات  لكلّ واحد خاصّيّته. الفضاء المركزيّ يمثل غرفة المعيشة .على يسار المدخل، المخدع ، مكان نوم الزّوجين في الشّتاء.على يمين المدخل غرفة صغيرة في الطّابق العلوي يفضّلها الزّوجان للقيلولة والنّوم في فصل الصّيف، كما يستعملها الأطفال للنّوم عندما يكبرون.و أخيرا وتحت الغرفة العلويّة يوجد فضاء  للوضوء ولكلّ ما يتعلّق بنظافة الجسم. نفس هذا الفضاء يستعمل أحيانا لحفظ الملابس داخل جرار كبيرة. في أحد أركان غرفة الجلوس  صندوق من خشب الآرز المطليّ، وهو هديّة والدَيْ العروس إليها لتضع فيه جهازها الّذي ستنقله إلى بيت الزّوجيّة. على مقربة من السّرير، علّق على الحائط رفّ من الخشب المصنّع المطليّ به مرآة جعل لتعليق الثّياب ووضع مختلف أدوات الزّينة للمرأة فضلا عن وظيفته الزّخرفيّة.

من بين الاختلافات بين جهات الجزيرة يمكن أن نذكر اختلاف ملابس الاحتفال و "الجلوة" و كذلك وجود حفل "جلوه العريس" فهو لا يقتصر بجربة على العروس بل يتعاطاه كذلك العريس في بعض مناطق مستاوة بشرق الجزيرة. فبعد الانتهاء من مراسم "الجلوه" لدى العروس قبيل مغيب الشّمس يتمّ إحضار العريس لكي يقوم هو الآخر بطقوس "الجلوه" فيرتدي لهذا الغرض لباسا مناسباتيا أنيقا.

كذلك نذكر طقوس "البمبر" الاحتفالية ببعض المناطق  كالمحبوبين و الذي يخص فقط العروس وينتظم قبل انتقالها إلى عش الزوجية في وقت متأخر من الليل  وبعد قيام العروس بزيارتها الطقوسية لشجرة الزيتون فيتم إحضار كتل صخرية كبيرة إلى صحن "الحوش" و فوق تلك الكتل يتم وضع بردعة جمال أو بغال  ومحراث وتغطى مختلف هذه العناصر بأغطية صوفية يتمّ فوقها إجلاس العروس وحديثا في أغلب مناطق الجزيرة أصبحت تجلس العروس فوق صندوق خشبي مخصص لحفظ الثياب أخضر اللون ومُحلى بمسامير. وتغطى بستار تمسك بأطرافه بعض النسوة وعندها تشرع "الزيانه" بإعداد ضفائر شعرها حتّى تتدلى فوق وجهها وكتفيها وضهرها موشحة بقطع المصوغ ذات الأشكال المتنوعة. وبعد إزاحة الستار تنغمس "الزيانه"  في الرقص حول العروس مرتدية لحافا من الصوف الأسود يغطي كامل جسمها فلا تظهر منه إلا عين واحدة  ممسكة بسيف ,وإذا لم يتوفر تمسك بعصا غليظة ، تلوح به في حركات إيقاعية.  

بالنسبة للجالية اليهودية فان المراسم الّتي ترافق الزّواج تدوم فترة طويلة لا تقلّ عن الأسبوعين من الاحتفالات العّامة والخاصّة تطبّق خلالها الفرائض الدّينيّة في أدقّ تفاصيلها في إطار احترام العادات والتّقاليد الجربيّة. الاختلافات تكون خاصة على مستوى الأدوات و الملابس ذات الطابع الديني.

إضافة إلى بطلي حفل الزواج أي العريس و العروسة عناصر أخرى تساهم في إحياء الاحتفالات و خاصة:

"الحجّام"
"الحجّام" هو شخص محوري ذو حضور مكثّف وفعّال في تنشيط المظاهر الاحتفاليّة الّتي يزدان بها العرس التّقليديّ الجربيّ و توجيه أصحاب العرس لممارسة الطّقوس والمراسم اللاّزمة على أحسن وجه ويسمىّ "الحجّام" نسبة إلى الجماعة الإثنيّة التي تسمّى بجربة "الحجاجمه" والّتي يقطن أفرادها موزّعين على عدّة "حوم" بكامل الجزيرة ومن خصائصهم أنّهم جميعا يحترفون مهنة الحلاقة وختن الأطفال وتنشيط احتفالات الأعراس. وتطلق عليه في مناطق مستاوة تسمية "البرّاح" نسبة لمهمته الرئيسيّة أثناء الحفلات الموسيقيّة الّتي تقام والّتي تتمثّل في "التّبريح" أي التّصريح بأسماء من يقدّم هديّة ماليّة كمساعدة للفرقة الموسيقيّة.

"الزّيّانه"
"الزّيّانه" من الشّخصيّات الأساسيّة في العرس الجربيّ التّقليديّ، علاوة على مهمّتها الرّئيسيّة المتمثّلة في حسن إعداد العروس ليوم الزفاف من خلال مدها بكل  مستلزمات التجميل، تقوم بتنشيط السّهرات النّسائيّة الغنائيّة وتكلّف أحيانا بالطبخ.

"سابڨ رزڤو"
يتمّ تكليف أحد الصّبية, "سابڨ رزڤو", بحمل صندوق صغير يحتوي على أربعة بيضات إلى منزل العريس. فيركض في صمت وعندما يصل فإنّه لا يكلّم أحد قبل أن يُعطى الماء فيشرب قليلا منه. ويعلق الـهدية في حائط من حيطان المكان الذي سيتخذه العريس وعروسه للنوم. يرمز هذا الطّقس الإحتفاليّ إلى رغبة العروس في أن تحلّ في موطئ قدمها الجديد حاملة معها الخصب والرّزق والخير العميم.
تمثّل الولادة حدثا عائليّا سعيدا، بل وبالغ الأهميّة وذلك خاصّة في بداية حياة المتزوّجين الجدد، إذ من خلالها يدخل الزّوج عالم الأبويّة وتدخل الزّوجة عالم الأمومة. بمجرّد اكتشاف الحمل تبدأ استعدادات العائلة لاحتضان الوليد المرتقب فيُشرع في إعداد ملابسه وعندما يقترب موعد الوضع تنطلق بقيّة التّحضيرات المتّصلة بشراء البخورات وإعدادها وما يلزم من حاجات أخرى لتحضير الأطعمة و المرطّبات  الّتي سوف تعرض على النّساء اللاّتي سوف يفدن خلال اليوم السّابع للولادة للتّهنئة وللمشاركة في أفراح الأسرة بمولودها.

ويقدّم للحاضرات طعام خاصّ بهذه المناسبة يسمىّ" الطّبيخه" و أصنافا من عجائن حلوة المذاق تسمّى "بْسَايَسْ" والمفردها " بسيسه" . وأمّا الحاضرات فيقدّمن بدورهنّ هدايا إلى أمّ المولود. وتمكث هذه طيلة أربعين يوما للولادة في البيت تتلقّى العناية اللاّزمة حتّى يستعيد جسمها حيويّته بعدما أصابه من إنهاك بسبب الحمل والوضع. ويحرص الجربيّون على وضع المولود منذ يومه الأوّل في ظهر سلحفاة بحر يسمّى "دوح"  لكي ينام فيه مدّة أربعين يوما حتّى يطول عمره على غرار السّلحفاة.  

يمثّل الختان أو  "الطّهور" حدثا مهمّا في حياة الطّفل باعتبار أنّه من الواجبات الدّينيّة الّتي لا مفرّ منها في حياة الإنسان المسلم. و في جربة يتمّ الختان في فترة مبكّرة حيث لا يتجاوز عمر المختون في بعض الأحيان سنته الأولى. خلال الّليل يستحمّ المختون بمساعدة بعض النّسوة من قريباته ثمّ تقوم إحداهنّ  بتخضيب طرف خنصر اليد اليمنى وجزء من كفّها. وإثر ذلك تتفرّغ النّساء الحاضرات للغناء والرّقص بدون مشاركة الرّجال. وفي بعض مناطق الجزيرة ينتظم بمشاركة الطّفل وبعض الأقرباء والمدعوّين موكب الزّيارة الطّقوسيّة لشجرة زيتون في أجواء لا تخلو من زغاريد النّسوة وغنائهنّ.

خلال النّهار ومنذ الصّباح الباكر تجرى استعدادات أخرى حثيثة لإعداد الطّعام الذي سيوزّع على المدعوّين مساءً. وعشيّة اليوم و قبيل موعد الختان تقوم إحدى النّساء بإعداد المكان فتبسط لحافا على الأرض ثمّ تغطّيه بالتّراب النّقي. وفي الأثناء يشرع الحلاّق "الحجّام" - وهو نفس الشّخص الذي سيتولّى عمليّة الختان- في حلق شعر المختون، وما إن يفرغ من ذلك حتّى يدعى الرّجال الحاضرون لمواكبة عمليّة الختان. يتمّ إحضار المختون مرتديا لباسا أنيقا خاصّا بهذه المناسبة يزدان بالتّمائم الواقية من العين الشّريرة فيجلسه أحد أقاربه فوق ردفيه ويقف بقربه الحلاّق، وحولهما الحاضرون يمسكون بلحاف "البسكري" لحجب عمليّة الختان عن الأنظار وغير بعيد عن هذا الجمع تقف أمّ المختون وحولها بقيّة النّسوة ينتظرن استلام الطّفل بعد عمليّة الختان وهنّ لا ينقطعن عن الزّغاريد والغناء. وبالتّوازي مع عمليّة الختان يهشّم بعض الصّبية أوعية فخّاريّة وتعكس حركتهم تلك جانبا من المعتقدات الوقائيّة المتوارثة عن الأسلاف. وإثر انتهاء الحلاّق من عمليّة الختن يهنّئ الحاضرون عائلة المختون ويقدّمون إليها الهدايا.

ومن المظاهر الأخرى المميّزة لمرحلة الطّفولة ما يتعاطاه الأطفال من ألعاب يشترك في بعضها الذّكور والإناث ولا تخلو ممارسة جميع هذه الألعاب من مظاهر الضّحك والفكاهة فضلا عن فوائدها التّربويّة. وفوق كلّ ذلك يجري إعداد الأطفال خلال هذه المرحلة الهامّة من أعمارهم لتحمّل المسؤوليّات الّتي ستلقى على كواهلهم مستقبلا. من بين هذه الالعاب التراثية نذكرلعبة الـ"العظام".

خلال اليومين الأخيرين من شهر رمضان وقبيل حلول عيد الفطر المبارك  "العيد الصّغير"  تكون الفرصة سانحة للأطفال لارتياد مراكز الأسواق الأسبوعيّة القريبة من مقرّات سكناهم لمواكبة احتفالات خاصّة يسمّى اليوم الأوّل منهما" العرفه الصغيره" بينما يسمّى اليوم الموالي له "العرفه الكبيره"  حيث يعرض الباعة ما تيسّر من لعب أطفال وحلويات وفواكه جافّة وتنظّم بعض الألعاب مثل تلك الّتي تتمّ بميدون حول  شجرة الزّيتون المسمّاة "زيتونة العظام" فقد كان الأطفال  يتحصّنون  من أشعّة الشمس بظلالها الوارفة ويمارسون لعبة البيض المسلوق والملوّن الّتي تتمّ بين متباريين يقذف أحدهما ببيضته  نحو بيضة خصمه  وإثر اصطدام البيضتين يتمّ تفقّد حالتهما لمعرفة الّتي أصيبت منهما ويفوز من يثبت أنّ حالة بيضته  كانت سليمة أمّا إذا أصيبت البيضتان معا فيتواصل السّباق إذا كانت حالهما تسمح بذلك وإلاّ فإنّه يتعيّن أن يغادر المتباريان حلبة السّباق ويتركانها لمتباريين آخرين.

تمثّل الطّفولة مرحلة التّنشئة الأساسيّة في حياة الإنسان ولذلك فإنّها كانت تحظى بعناية خاصّة في المجتمع الجربيّ التّقليديّ انطلاقا من العائلة الّتي تتحمّل مسؤوليّة تنشئته الاجتماعيّة ونموّه النّفسيّ ولذلك تبدي العائلات الجربيّة حرصا شديدا على تعليم أطفالها منذ صغرهم مبادئ الدّين وعقائده وفرائضه.فكان يتمّ إرسال الأطفال إلى الكتاتيب ذات الانتشار الواسع في شتّى مناطق الجزيرة حيث كانوا يتعلّمون حروف اللّغة العربيّة في مرحلة أولى ثمّ القراءة والحفظ في مرحلة ثانية والكتابة في مرحلة ثالثة. وإلى جانب الكتاتيب الّتي كانت تؤمّن المراحل الدّنيا من التّعليم كانت توجد الـ"مدارسْ".


في الكتّاب
الكتّاب، هو مكان يذهب إليه الطّفل حال بلوغه عمرا معيّنا وذلك لحفظ الآيات القرآنيّة عن ظهر قلب تحت إشراف المؤدّب أو "المدّب". يبدأ كلّ طفل بغسل لوحه وذلك باستعمال نوع من الطّين الرّماديّ الفاتح، بعد ذلك يضعه ليجفّ تحت أشعّة الشّمس. بعد جفاف  اللّوح ، يبدأ التّلميذ، وهو جالس على حصير، في كتابة آيات من القرآن يمليها عليه مؤدّبه. تكون الكتابة باستعمال ريشة من القصب وبحبرتقليدي. بعد إنهاء الكتابة يقرأ التّلميذ ما كتبه على لوحه بصوت مرتفع ويتلوه لمرّات عدّة حتّى يحفظه عن ظهر قلب.
بعد بضع سنوات من التّعليم، ينظّم أولياء التّلاميذ الّذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب حفلا صغيرا يسمّى "ختمه" يتمّ أثناءها حمل أطباق الكسكسيّ المكلّل باللّحم إلى الكتّاب حيث يتناول "المدّب" وتلاميذه وجبة الغداء معا. يمكن للتّلاميذ الّذين أنهوا تعلّمهم في الكتّاب والّذين يرغبون في مواصلة دراستهم أن يرتادوا المدارس، حيث تدرّس علوم مختلفة و خاصّة تلك المتعلّقة بالدّين و اللّغة.
" لْمْدارس"
لعبت بعض المساجد على مرّ العهود الإسلاميّة الّتي عاشتها الجزيرة دور مدارس العلم حيث كانت تستقطب طلبة يتعلّمون فيها شتّى المعارف. وكانت الدّراسة في هذه المؤسّسات التّعليميّة تخضع إلى نظام دقيق تحت إشراف شيوخ علم متضلّعين . من أشهر مدارس الجزيرة مدرسة جامع "أبي مسور" بـالحشّان الّتي تعود إلى القرن 10 م ، مدرسة جامع" ولحي" بـواد الزّبيب الّتي تعود إلى القرن 14م، المدرسة" الجمنيّه" بـحومة السّوڤ الّتي تعود إلى القرن 17م ، مدرسة جامع "الباسّي" بـوالغ التي تعود إلى القرن 18م ....
إنّ عطاء جزيرة جربة في ميدان الفكر تمثّل مساهمتها طيلة عدّة قرون في تواصل الحركة العلميّة من تأليف كتب وتدوين الدّروس الّتي كانت تلقى بأهمّ المدارس الّتي اشتهرت بالجزيرة مثل مدرسة الجامع الكبير بـالحشّان ومدرسة وادي الزّبيب ومدرسة جامع بوليمان والمدرسة الجمنيّة على سبيل الذّكر لا الحصر. ونتيجة لذلك تكوّنت المكتبات بأهمّ المساجد الّتي كان ينتظم  فيها التّعليم التّقليديّ وكانت تضمّ التّصانيف الأساسيّة الّتي كانت تدرّس آنذاك. وكانت صناعة الكتب من الحرف الملازمة للمسجد إذ ينسخ الخطّاط النّصوص على كرّاسات ثمّ يقع ضمّها في مجلّدات. وكانت المخطوطات الجربيّة تتميّز بخطّها المغربيّ وبساطة زخرفها يستعمل فيها المداد الأسود عموما وهو المصنوع من روث الغنم الذي يحرق ثمّ يخلط بالماء ويحفظ في دواة من الخزف.

في نهاية مرحلة الطّفولة يكون سنّ البلوغ الّذي يعدّ منعطفا بالغ الأهميّة في حياة الطّفل ومن أبرز المظاهر الاحتفاليّة الّتي تقام في سنّ البلوغ ما يسمّى "الصّيام" الّذي يتمّ بمناسبة شروع الفتى أو الفتاة في ممارسة شعيرة الصّيام خلال شهر رمضان المعظّم. يتمّ هذا الاحتفال غالبا على نطاق عائليّ وأحيانا بمشاركة بعض الأقارب أو الجيران خلال اللّيلة الّتي تسبق حلول شهر الصّيام ويشمل الذّكور والإناث على السّواء. تستعدّ الفتاة لهذه المناسبة أفضل استعداد فتستحمّ و ترتدي أجمل ما لديها من ثياب ثمّ تقوم إحدى قريباتها بتخضيب يديها وقدميها بالحنّاء وحولهما بعض الفتيات و النّسوة يطلقن الزّغاريد بين الحين والحين وتُقدّم إليهنّ "بسيسة الصّيام" وهي عبارة عن عجينة حلوة المذاق يتمّ إعدادها خصّيصا لهذه المناسبة وتوزّع أقساط أخرى منها على الأقارب والجيران .ويستعدّ الفتى من جهته لهذا الاحتفال استعدادا مشابها بينما لا ينتشر التّخضيب بالحنّاء لدى الذّكور في كلّ المناطق ولا يشمل إن وُجد إلاّ طرف خنصر اليد اليمنى.
ثراء حضارة هذه المجموعة البشرية يترجمه التنوع في اللباس سواء كان يوميا أو مناسبتيا مخصصا لبعض الاحتفالات كالختان و الزواج. تختلف الملابس حسب المناطق و كذلك بين الجالية اليهودية و المسلمين المالكيين و الأباضيين. الحلل النسائية أكثر ثراء و زركشة من الحلل الرجالية رغم أنها تبرز تنوعا و اهتماما بأدق التفاصيل في بعض المناطق. ويتميّز لباس النّساء اليهودياّت بالجزيرة بطابعه الجربيّ، وهو لا يختلف عن لباس النّساء المسلمات إلاّ بالكوفيّة.
لباس النّساء بالجزيرة يرتكز أساسا على ملاية أو لحاف من قماش خاص يشد حول الجسم. و تبرز خصائص مختلفة لشدّ اللّحاف  حسب مناطق الجزيرة:

- إمّا أن يشدّ قريبا من الإبط الأيسر مثلما هو الشّأن في منطقة الشّمال الشّرقيّ وجزء من الوسط والجنوب الشّرقيّ، حيث يشدّ أحد طرفي اللّحاف بمشبك من الفضّة المذهّبة"غصمار" أو "خلال" ويستعمل الطّرف الثاني لتغطية الرّأس. و تشدّ النّساء في منطقة الماي، بوسط الجزيرة، لحافهنّ على رؤوسهنّ بمنديل يربطنه حول الرّقبة.
- أو يشدّ وسط الصّدر باستعمال المشبك ذاته ويغطّى الرّأس بوشاح مستقلّ كما هو الشّأن في المناطق الأخرى من الجزيرة.


تضع النّساء الجربيّات, في النّهار كما في اللّيل، قبّعات مضفورة من سعف النّخيل تسمّى"ظلاّلة" لحماية الرّأس والوجه من التّأثيرات المناخيّة الّتي قد تصيب البشرة وهذه العادة لا نجدها إلاّ في جربة.
تتميّز منطقة الشّمال الشّرقيّ وجزء من الوسط والجنوب الشّرقي للجزيرة بـ "ظلاّله" مذبّبة ذات جوانب عريضة، بينما تكون "ظلاّله" باقي النّساء في جربة مذبّبة وضيّقة الجوانب. وقد بدأ هذان النّوعان من القبّعات اليوم في الاندثار لأنّ النّساء أصبحن يقبلن على القبّعات الرّجاليّة المضفورة من سعف النّخيل.

لطبخ أطباقها تحتاج المرأة الجربيّة إلى أواني و أدوات متنوعة شكلا و موادا بعضها يعود إلى أقدم العهود و لكل منها استعمال معين خاص به. و لكن اغلبها من الفخار خاصة الأطباق و الأواني. نذكر بعض الأكلات المميزة بالجزيرة :

زمّيطه
هي عبارة عن دقيق من الشّعير المقليّ  الممزوج  ببعض التوابل المحمّصة قليلا من عدس و حلبة و كزبر و شمار " حبة حلاوة". ثمّ تضاف براعم الورود المجفّفة و قشور البرتقال وشيئا من الملح .وبعد أن  يرحى هذا الخليط يغربل الدّقيق المتحصل عليه ويخزّن. و يستهلك  هذا الدّقيق في شكل سائل يسمّى  "دردورة" أو عجينة تسمّى "عبّودة". يخلط دقيق الــ "زّميطة" - دون طهي - مع قليل من زيت الزّيتون والماء حتىّ الحصول  على عجينة مغذّية  تشكل  منها يدويا لفائف يحبذ استهلاكها  صيفا  في الصّباح  مصحوبة بغلال طازجة كالعنب أو التّين أوالتّين الشّوكيّ.

بسيسه
يخلط دقيق القمح الصّلب المحمّص- دون طهي- مع زيت الزّيتون و السّكّر (وأحيانا يستعمل العدس المحمّص عوضا عن القمح) حتىّ الحصول  على عجينة.  ويعدّ نوع آخر قوامه عجينة حلوة يسمّى " بسيسة كمامن"  خاصّ بالمرأة النّفساء  لاستعادة قواها ، يتكوّن  من القمح المطحون و الحمّص و الكمّون و العدس والحلبة والكزبر وحبّات الينسون "البسباس" و شمار " حبة حلاوة" و الكمّون الأسود و السّكّر و زيت الزّيتون.



طبيخه
وهو نوع من الحساء يطهى بالعدس و الفول و الحمّص و قطع من القديد  و يقدّم للمرأة النّفساء حيث يعوّض العدس بالحلبة مع إضافة قطع من القرع.



لحّوسه أو لحسة  دڤيڨ الــ" ڤصب"
يخلط دقيق حبّات الدّخن  أو الــ " ڤصب"  -أو ما يعرف بباقي المناطق التونسية بالــ "دّْرع" - دون طهي  مع قليل من الماء حتىّ الحصول  على عجينة سائلة يحبذ تناولها   في فصل الشّتاء صباحا مصحوبة بشرائح  التّين الجافّ أو التّمر.

عيش بيضه
هي عبارة عن  عصيدة مكونة من دقيق الشّعير أو القمح ، يتمّ تقديمه ساخنا بعد أن يُصبّ فوقها شيء من زيت الزّيتون (أو الزّبدة) ويُجوّف وسطها لوضع السّكّر أو العسل. لإعداد هذا الطعام  يسخّن الماء في قدر بعد إضافة شيء من الملح، وما إن يبدأ في الغليان حتّى يضاف الدّقيق شيئا فشيئا  مع مواصلة التّقليب إلى الحصول على عجينة. وتقّدم هذه العصيدة خاصّة عند الاحتفال بمولد الرّسول الذي يمثّل مناسبة دينيّة هامّة جدّا.

عيش بالحسا
تقدّم العصيدة نفسها بعد أن يُصبّ فوقها نوع من المرق يسمّى "حسا". وهذا المرق قوامه دقيق الشّعير أو القمح المطبوخ بماء وملح والّذي يضاف إليه خليط من التّوابل و زيت الزّيتون و شحم الخروف و الطّماطم و الفلفل الحارّ ونبتة  بريّة من جنس البصليات تسمّى " ڤازول" أو "يازول".

كسره
لا يوجد في الجزيرة فرن خبز،" طابونه" ، بالشّكل المعروف في مناطق أخرى من البلاد التّونسية. فلا تنتج الجزيرة إلاّ نوعا من الخبز المعروف بالــ "كسره" الّتي تُقْلى بزيت الزّيتون في طبق معدنيّ. من أنواعها نجد الكسره المرفوسه و تتكوّن هذه الأكلة  من قطع الخبز المسقيّة  بمرق متكوّن من مزيج من الزّيت و قطع رقيقة من البصل والطّماطم و الهريسة و الملح والتّوابل و خاصة ال"يازول".



محمّصه بالعصبان
يتمّ طهي هذه الأكلة المكوّنة أساسا من حُبَيْبات الـ " مْحَمّْصَة " ، المصنوعة من دقيق القمح الصّلب ، والنقانق المقدّدة "عصبان" (م. "عصبانة") على النّحو التاّلي: يخلط الّزيت بالّطماطم و الملح و الهريسة و الثّوم وبعض الّتوابل (كرويّة، كزبر ويضاف  في بعض الأحيان الفلفل) و يوضع كلّ ذلك  للطّهي على نار  حامية ثم يضاف الماء و الــ "عصبان"  و ينضج ذلك الخليط على نار هادئة ثم تُسْكب الـ " مْحَمّْصَة "   و تطبخ لبعض الدقائق حتّى تصبح جاهزة للتّقديم. مع العلم أنّه يمكن تقديم نفس العجين مع اللّحم و في بعض الأحيان مع البيض المسلوق.


مشلوش بالوزف
تتكوّن هذه الأكلة من قطع الخبز المحمّصة المسقيّة بمرق من الطّّماطم و الهريسة والملح وبعض التّوابل والأسماك الصّغيرة المجّففة "وزف".

الكسكسي
أساس  هذا الطّعام   حبّات الكسكسي المصنوعة من القمح الصّلب  الّتي يتمّ إنضاجها بالبخار فوق مرق متكوّن من زيت الزّيتون و البصل و الملح والهريسة وبعض  التّوابل  والخضر...عندما ينضج الطّعام  توضع حبيبات  الكسكسيّ في طبق و تسقى  بالمرق ثم يُقلّب الخليط  و يزيّن بالخضر و اللّحم أو السمك.


يلاحظ أنّ كلّ أنواع الكسكسيّ تقريبا تطهى بالبخار في وعاء ذي قعر مثقّب  موضوع  فوق  قدر يحوي مرقا به  اللّحم أو السمك و الخضر. و نجد بجربة انواعا متنوعة من الكسكسي منها الملثوث الذي يعدّ بنفس الطّريقة و يسقى بنفس المرق ولكنه يتكون من الشّعير المحمّص المجروش و المسفوفوهو صنف من الكسكسيّ يزيّن بالقديد و يختلف عن باقي أنواع الكسكسيّ بكونه يُطهى  فوق قدر به ماء فقط. أمّا المرق فيعدّ في قدر أخرى على حده. و ايضا الكسكسيّ بالسّمك أو باللّحم في الكسكاس الذي يستوجب إضافة إلى قدر المرق  كسكاسا خاصّا ذا طابقين  فيوضع اللّحم أو السّمك المتبّل في القسم السّّفلي بينما توضع حبّات الكسكسيّ بالجزء العلويّ.

 
الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعاتصل بنا

Conçu et créé par Serviced © Musée Jerba © 2012